سيد محمد طنطاوي

350

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله تعالى فَذَرْنِي ومَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ « 1 » . ثم بين - سبحانه - بعض الحكم التي اشتملت عليها غزوة أحد فقال تعالى * ( ما كانَ اللَّه لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْه حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ) * . وقوله * ( لِيَذَرَ ) * أي ليترك . والمراد بالمؤمنين : المخلصون الذين صدقوا في إيمانهم والمراد بقوله * ( عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْه ) * أي اختلاط المؤمنين بالمنافقين واستواؤهم في إجراء الأحكام . ومعنى يميز يفصل . وقرئ يميز أن يحدد ويبين . والمراد بالخبيث : المنافق ومن على شاكلته من ضعاف الإيمان . والمراد بالطيب : الصادق في إيمانه . والمعنى : ليس من شأن اللَّه - تعالى - ولا من حكمته وسنته في خلقه أن يترككم أيها المؤمنون على ما أنتم عليه من الالتباس واختلاط المنافقين بكم ، بل الذي من شأنه وسنته أن يبتليكم ويمتحنكم بألوان من المصائب والشدائد حتى يتميز المؤمنون من المنافقين ، وينفصل الأخيار عن الأشرار . قال ابن كثير : أي لا بد أن يعقد سببا من المحنة ، يظهر فيه وليه ويفضح به عدوه ، يعرف به المؤمن الصابر والمنافق الفاجر ، يعنى بذلك يوم أحد الذي امتحن اللَّه به المؤمنون فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم للَّه ولرسوله وهتك به ستار المنافقين ، فظهرت مخالفتهم ، ونكولهم عن الجهاد ، وخيانتهم اللَّه ولرسوله . قال مجاهد : ميز بينهم يوم أحد » « 2 » . وعبر - سبحانه - عن المؤمن بالطيب ، وعن المنافق بالخبيث ، ليسجل على كل منهما ما يليق به من الأوصاف ، وللإشعار بعلة الحكم . وقوله * ( وما كانَ اللَّه لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ولكِنَّ اللَّه يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِه مَنْ يَشاءُ ) * معطوف على قوله * ( ما كانَ اللَّه لِيَذَرَ ) * . والغيب : ضد المشاهد . وهو كل ما غاب عن الحواس ولا تمكن معرفته إلا عن طريق الوحي من اللَّه تعالى على رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . واجتبى : من الاجتباء بمعنى الاختيار والاصطفاء .

--> ( 1 ) سورة القلم الآيتان 44 ، 45 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 432 .